تشكّل مبادرة مركز الدراسات والأبحاث التربوية نموذجًا مبتكرًا في دعم إصلاح التعليم بموريتانيا، إذ تنبثق من تشخيص واقعي ومعمّق للسياق الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتكمن جوانب التميّز في هذه المبادرة في تركيزها على التعليم بوصفه مدخلًا استراتيجيًا لمعالجة التحديات التنموية الكبرى، واعتمادها مقاربة شمولية تجمع بين: • إنتاج المعرفة عبر البحث العلمي في المؤشرات التعليمية، • ودعم السياسات التعليمية من خلال تقاسم المعرفة العلمية عبر الاستشارات المتخصصة، • وبناء وعي مجتمعي فاعل ومناصر للإصلاح من خلال برنامج العضوية، • وإرساء منصات مؤسسية دائمة للحوار والتقويم، مثل البرنامج الشهري والمؤتمر الدولي. وتكمن أهمية هذه المقاربة في قدرتها على تعبئة الفاعلين على مختلف المستويات، وتحفيزهم على التملك الجماعي لقضية التعليم، وتحويل الإصلاح من مسؤولية حكومية ضيّقة إلى قضية وطنية جامعة. فيما يلي عرض لأبرز مكونات برنامج المركز:
1. البحث العلمي في التربية والتعليم
تُعد المؤشرات التعليمية العالمية أدوات استراتيجية لفهم واقع النظم التربوية وقياس التقدّم في تحقيق الأهداف الوطنية والدولية، مثل أهداف التنمية المستدامة، وتعليم الجميع، وتقارير اليونسكو وغيرها. وتُعاني الساحة التعليمية الموريتانية من ضعف في رصد هذه المؤشرات وتحليلها، وغياب منصة بحثية منتظمة تربط بين نتائج البحث العلمي وقرارات السياسات التعليمية. وانطلاقًا من دوره في دعم إصلاح التعليم، يُطلق المركز “مجلة الدراسات والأبحاث التعليمية”، وهي مجلة علمية محكّمة تُعنى بتأليف ونشر الدراسات المتعلقة بالمؤشرات التعليمية، وتحليل السياسات، وتقديم توصيات مبنية على الأدلة لدعم مسار الإصلاح في موريتانيا.
2. الاستشارات التعليمية
يواجه العديد من الأفراد والعائلات في موريتانيا صعوبات في اتخاذ القرارات التعليمية، كالتوجيه الدراسي المناسب، وفهم النظام التربوي، واكتشاف المواهب. كما تحتاج المؤسسات التعليمية وصنّاع القرار إلى بيانات دقيقة وخبرات متخصصة من أجل التخطيط، والتنفيذ، والإصلاح، والتقويم. ولتلبية هذه الحاجات، أنشأ المركز وحدة للاستشارات التعليمية تهدف إلى: 1. تقديم مرافقة توجيهية مدرسية ومهنية للمتعلمين والأسر؛ 2. إجراء دراسات استشارية لفائدة المؤسسات التعليمية
3. بناء وعي وطني جماعي مناصر ومشارك في إصلاح التعليم
إن إصلاح النظام التعليمي لا يمكن أن يتم بمعزل عن دعم شعبي ومؤسساتي واسع، إذ إن التعليم ليس شأنًا حكوميًا صرفًا، بل مسؤولية مجتمعية. في هذا السياق، أنشأ المركز مكونة العضوية بهدف إشراك الأفراد والمؤسسات في صنع القرار، من خلال: • فتح باب الانخراط للأفراد المهتمين بالشأن التعليمي: (مدرّسين، باحثين، أولياء أمور، طلبة، شباب، إلخ.)؛ • إتاحة الانضمام للمؤسسات العامة والخاصة المعنية بإصلاح التعليم، من خلال بروتوكولات الانضمام إلى المجموعة المتحدة للتعليم، وهي إطار تنسيقي وتشاوري تم تأسيسه لهذا الغرض.
4. نقاشات حول التعليم في موريتانيا
يواجه النظام التعليمي في موريتانيا تحديات كبيرة تتعلّق بجودة التعليم، ومواءمته لحاجات المجتمع، وقدرته على مواكبة متطلبات العصر. وفي ظل التحولات الجارية، تبرز الحاجة إلى فضاء مستقل وآمن لتبادل الرؤى والخبرات، ومناقشة قضايا التعليم بعمق وموضوعية خارج الأطر الرسمية الضيّقة. لذا أطلق المركز برنامجًا شهريًا بعنوان “نقاشات حول التعليم في موريتانيا”، ليكون منبرًا فكريًا ومجتمعيًا لتغذية الإصلاح التربوي من خلال الحوار والمساءلة العلمية والمجتمعية.
5. المؤتمر الدولي للتعليم في موريتانيا
يتطلب الإصلاح التعليمي تعبئة فكرية ومؤسساتية واسعة، على المستويين الوطني والدولي، لتبادل التجارب، وتشخيص التحديات، وصياغة حلول مبتكرة وعرض الخدمات التعليمية والمميزات المقدمة من قبل المؤسسات التعليمية المشاركة. ومن هذا المنطلق، أطلق المركز “المؤتمر الدولي حول التعليم في موريتانيا”، بوصفه منصة للتقارب بين الخبرات الوطنية والدولية، بهدف إنتاج رؤية إصلاحية موحّدة، واقعية، وطموحة للنهوض بالتعليم في البلاد.
